
على مدى 66 عامًا من الاستقلال، تعاقب على حكم بلادنا عشرة رؤساء، "ثمانية" منهم عسكريين أو ذوي خلفية عسكرية. ما يعني أننا تعايشنا مع المؤسسة العسكرية باعتبارها جزءًا من واقعنا السياسي والمدني، لا عنصرًا غريبًا عنه. وقد كانت لكل واحد من هؤلاء الرؤساء مبرراته ومسوغاته في الحكم، كما لم تواجه أغلبهم معارضة شعبية واسعة بالمعنى الحقيقي، ومع ذلك شهدت الدولة فترات من التقدم أحيانًا، ومن الركود أحايين أخرى، بل ومن التراجع في بعض المراحل.
لقد تلقت هذه الفئة من الموريتانيين تكوينًا متميزًا وموازيًا لما تلقته النخب المدنية الأخرى، وبين أفرادها من يمتلك مؤهلات حقيقية وقدرات متفاوتة على فهم قضايا التنمية وإدارة الشأن العام. غير أن جرعة من الشعبوية ظلت حاضرة بدرجات مختلفة لدى بعضهم، فانعكس ذالك على أسلوب الحكم وممارسة السلطة.
ومن زاوية تقييمية بحتة، يمكن القول إن للعسكريين قدرة معتبرة على فهم واستيعاب طبيعة مجتمعهم وعقلياته؛ فهم يلجؤون إلى الانضباط والحزم للحفاظ على الاستقرار ومنع الفوضى، ويلجؤون احيانا إلى الانفتاح بصورة قد يغلب عليها الطابع الشعبوي، بما قد يؤدي إلى تراجع الأولويات واختلال ترتيبها.
أما القول بأن هذه الفئة تتعارض بطبيعتها مع الحياة المدنية والديمقراطية، فهو تعميم لا يستقيم مع واقع التجربة؛ إذ أن الاستقرار في كثير من الأحيان كان وما زال مرتبطًا بدور المؤسسة العسكرية، كما أن نجاح مشاريع التنمية أو تعثرها لم يكن يومًا حكرًا على العسكريين أو المدنيين وحدهم. وفي المقابل، فإن الحرص على احتكار هذه الفئة لتسيير شؤون الدولة بصورة دائمة يفقد الحكم والتنمية والديمقراطية معناها الحقيقي، لأن بناء الدول الحديثة يقوم على التوازن بين المؤسسات وتكامل الأدوار لا على هيمنة فئة بعينها.
أما تنظيم هذا المرفق العمومي المهم وتطويره، فهو ضرورة لا تقل أهمية عن تنظيم سائر المرافق العمومية وأسلاك الوظيفة العمومية الأخرى. ويتقاطع ذلك مع الحاجة إلى تعزيز الانضباط والالتزام المهني داخل الإدارة، والمحافظة على السر المهني، ومكافحة الغش والتحايل، وهي أمور يؤدي ضعفها إلى فتح أبواب الفساد بمختلف أشكاله.
وفي عالمنا اليوم، قلّما نجد مجلسًا إعلاميًا أو برنامجًا تحليليًا يخلو من ضابط سامٍ أو خبير عسكري، لما يمتلكه كثير منهم من خبرة ومعرفة وقدرة على التحليل. ولو تأملنا في بعض المداخلات التي يقدمها ضباطنا المتقاعدون، ومن ما يزالون في الخدمة، لوجدنا شواهد واضحة على ذلك..
وخلاصة القول أن المؤسسة العسكرية تمثل إحدى ركائز الدولة الحديثة، وأن تنظيمها وتعزيز مهنيتها يزيدان من فعاليتها وإسهامها في خدمة الوطن. أما الإفراط في حضورها المباشر في إدارة الشأن العام، فقد يضعف من قيمتها الرمزية والمهنية ويجعلها عرضة لتبعات بعض الممارسات السياسية والإدارية. في زمن لم تعد فيه الأسرار سهلة الحفظ، سواء على مستوى الأفراد أو المؤسسات، و تزداد الحاجة فيه إلى ترسيخ المهنية والانضباط والمسؤولية.
و تبقى حصافة القانون وقوته في تجرده من الشخصنة وابتعاده عن استهداف الأفراد أو خدمة الظروف الآنية. ومن ثم فإن تحيينه وتطويره كلما دعت الحاجة إلى ذلك يظل أمرًا مشروعًا وضروريًا، شريطة أن يتم في إطار "رؤية وطنية جامعة" وحوار شامل يضمن مشاركة مختلف الفاعلين. فالقانون يكون أكثر عدلًا وملامسةً للواقع عندما يُصاغ في ظل التوافق، ويستمد قوته من اقتناع المجتمع به قبل إلزامه بتطبيقه.
_________
إدومُ عبدي اجيّد
.jpeg)
.gif)
