كارثة الباكلوريا .. الوطنية!

خميس, 13/06/2019 - 14:49

وكما في كل عام منذ عقدين تقريباً، يتجدد الحديث عن الغش والتسريب في امتحان شهادة الباكلوريا الوطنية، الشهادة التي طالما تحطمت على صخرتها آمال الكثيرين فأحبطتهم حين تعذّر عليهم نيلها، إما لتردي أداء النظام التعليمي وتدني مستوى طلبته، أو لضآلة نسبة عدد الذين تسمح السياسة التعليمية الرسمية بمرورهم سنوياً من المرحلة الثانوية إلى المرحلة الجامعية، أو لعوامل أخرى مثل الارتجالية والفوضوية وسوء التنظيم الذي طالما عانت منه لجان الباكلوريا، رغم توفر الإمكانات اللوجستية لضبط وتنظيم عمليات التقويم التربوي في وقتنا الحالي. وكم أحبطت شهادة الباكلوريا أيضاً بعض الذين حصلوا عليها حين لم تتقدم بهم، لا هي ولا الشهادة الجامعية معها، أي خطوة على سلّم الصعود الاجتماعي، لافتقارهم إلى سند من واسطة ونفوذ !

لقد أصبحت نسبة النجاح في الباكلوريا الموريتانية بمثابة كارثة وطنية مكتملة الأركان، إذ غالباً ما تتأرجح حول نسبة 8 في المئة من مجموع المشاركين، ولعلها النسبة الأقل من نوعها على مستوى العالم. هذا بينما نجد أن هذه النسبة في الدول المغاربية الفرانكفونية الثلاث الأخرى، أي المغرب والجزائر وتونس، تتراوح بين 56 و66، أما في الدول العربية الأخرى فغالباً ما تتراوح بين 95 و98 في المئة.

ولم يسبق لامتحان شهادة الباكلوريا الوطنية الموريتانية أن سجل مثل هذه النسبة العالية جداً أو قريباً منها في يوم من الأيام، لكنه أيضاً لم يكن محبِطاً إلى الحد الذي هو عليه الآن، حيث تكاد النسبة الصغيرة من الناجحين تقتصر على الأكثر مهارة في الغش أو الأقوى وساطة ونفوذاً ومقدرة على التواصل مع لجان الامتحان (قبل أو بعد إجراء امتحان الشهادة).

كان أول امتحان للباكلوريا على التراب الوطني الموريتاني في عام 1974، وقد تم تحت إشراف « مصلحة الباكلوريا » بوزارة التهذيب الوطني، وقد ترشّح له، كما يذكر المدون المولع بتاريخ نواكشوط Ahmed Ebatt، ثلاثمائة وتسعة مشاركين، نجح منهم 180، أي ما نسبته نحو 58٪. وظلت « مصلحة الامتحانات » في إدارة التعليم الثانوي إحدى أكثر المصالح كفاءةً ونزاهة وبعداً عن قابلية الرضوخ للضغوط والإغراءات، حيث أشرف عليها تربويون وإداريون على قدر كبير من المهنية والاستقامة الأخلاقية.

لكن الأمر تغير في ظل مناخات أشاعت ثقافة الغش والاختلاس، وما عاد اختيار لجان الامتحانات والمسابقات الوطنية يخضع سوى لاعتبارات المحسوبية والزبونية والشللية.. فسادت الارتجالية والفوضى, لينجح من لا يستحق النجاح ويرسب من هو أحق بالنجاح، مع ما ترتب ويترتب على ذلك من إضرار بمصالح المجتمع وهدر لطاقاته.

وقد كنت شخصياً في مطلع التسعينيات شاهداً على تنظيم امتحان الباكلوريا عدة مرات في عواصم ولايات داخلية، حيث لاحظت تساهلا كبيراً من جانب لجان الرقابة والسلطات التعليمية والإدارية والأمنية، مع ظاهرة الغش المدرسي، وسماح المراقبين بتسريب الأسئلة إلى خارج القاعات ثم السماح بمرور الإجابات عليها إلى الطلبة الممتحنين في القاعات. وبما أني أدركت خلال الثمانينيات قدراً لا بأس به من الانضباط والصرامة طبعَا عملَ لجان الباكلوريا (على الأقل في نواكشوط التي أعرفها)، وفي أداء مصلحة الامتحانات بوزارة التهذيب الوطني عموماً، فقد هالني ذلك القدر المفزع من التساهل الذي كان يصل حد التواطئ كما رأيته بالداخل في التسعينيات.

لكن ما أصبح يصلنا من أخبار وشهادات خلال السنوات الأخيرة حول مستوى شيوع الغش والفساد في امتحانات الباكلوريا، يجعل من غش التسعينيات شيئاً لا يكاد يذكر مقارنة بما يجري حالياً. فقد أصبح الغش داخل القاعات بين التلاميذ، وبينهم وبين ذويهم خارج القاعات، وكذلك تسريب الأسئلة لصالح بعض أبناء الأسر النافذة ليصطحبوا معهم إجاباتها جاهزةً إلى قاعة الامتحان صباح إجرائه.. ممارسةً متكررة ومعتادة في امتحانات الباكلوريا كل عام. هذا فضلا عن بيع شهادة الباكلوريا نفسها منذ أن استنّه أحد وزرائنا المشهورين في التسعينيات ممن اطلع بالدور الكبير خلال السنوات اللاحقة في صناعة لحظات كانت مصيرية بالنسبة لمستقبل البلاد.

 

وخطورة وجود فساد كهذا في نظامنا التعليمي، كونه يمثّل مصدر إحباط للطلبة الجادين ولأصحاب الهمم العالية منهم حين يرون زملاء يعرفونهم بالكسل والتراخي عن بذل أي جهد، لكنهم ينجحون وربما يتفوقون عليهم ليحظوا بمنح دراسية أفضل وبتعيينات أرفع وأسرع. وأخطر من ذلك أن وجود فساد كهذا يشيع نظرةً تقلل من قيمة العلم والعمل، كما يفضي لوضع أشخاص عديمي الأهلية العلمية والخلقية في مواقع المسؤولية واتخاذ القرار، ليمارسوا من مواقعهم تلك أساليب الفساد ذاتها، من رشوة وزبونية ومحسوبية.. وبهذا يقع المجتمع كله في حلقة فساد الدور والتسلسل أو الحلقة الجهنمية للتخلف والمراوحة خارج التاريخ بسبب كارثة وطنية اسمها الباكلوريا حين تجسد حالةَ فساد عامة !

 

بقلم: محمد ولد المني