
للزيارة في ثقافتنا المحلية معنى يتجاوز الانتقال من مكان إلى مكان. فكلمة «الزيارة» ارتبطت في الذاكرة الشعبية أيضًا بزيارة الصالحين، وبأماكن بقيت حاضرة في وجدان الناس، مهما اختلفنا في تفسير القصص التي نُسجت حولها أو في تصديق تفاصيلها.
ومن القصص المتداولة في ولاية إنشيري قصة إحدى نساء الولاية الشهيرات، التي عُرفت بتعلقها بالولي الصالح والعلامة آبيه.
يُروى أنها طلبت ذات يوم من أحد أقاربها سيارة من نوع «بيجو 404»، واصطحبت معها عاملًا وبعض أدوات الحفر اليدوية، ثم توجهت إلى ضريح آبيه. وعندما وصلت، أمرت العامل بإزالة شيء من التراب المحيط بالضريح.
استغرب من كان معها الأمر، وسألوها: لماذا تفعلين ذلك؟
فأجابت بعفوية: «لقد امتلأت أذناه بالتراب، ولم يعد يسمعني عندما أناديه».
قد يبتسم البعض لهذه القصة، وقد يراها آخرون مجرد حكاية شعبية، وقد نختلف في تصديقها أو في تفسيرها، لكن ما لا يمكن تجاهله هو ما تعكسه من تعلق بعض أهل المنطقة بهذا الولي ومكانته في ذاكرتهم الاجتماعية والروحية.
واليوم، ونحن ننتظر زيارة رئيس الجمهورية لولاية إنشيري، تعود هذه القصة إلى الذاكرة.
فحفيد تلك المرأة يوجد اليوم في السجن، بينما أحفاد الولي آبيه، رغم رمزيته ومكانته في هذه الولاية، لا يوجد بينهم، حسب علمي، رئيس مصلحة ولا مدير ولا وزير ولا نائب ولا عمدة.
لا أقول هذا للمطالبة بمنصب لأحد، ولا لأن الانتماء إلى أسرة معينة ينبغي أن يكون طريقًا إلى الوظيفة العامة؛ فالكفاءة والاستحقاق يجب أن يبقيا الأساس. وإنما أذكره لأن معرفة الخريطة الاجتماعية والتاريخية والرمزية لأي منطقة جزء من نجاح زيارة رئيس الجمهورية إليها.
فعندما يزور رئيس الجمهورية ولاية، من المفترض أن تكون أمامه صورة دقيقة عنها: احتياجاتها، مشكلاتها، توازناتها الاجتماعية، رموزها، علماؤها، شخصياتها التاريخية، وحتى تلك التفاصيل التي قد تبدو صغيرة في التقارير، لكنها كبيرة في نفوس الناس.
هذا هو دور المستشار الحقيقي: أن يجعل الرئيس يعرف الأرض قبل أن تطأها قدماه، وأن يعرف الناس لا من خلال من يصلون إلى الصفوف الأمامية فقط، وإنما من خلال تاريخ المنطقة وواقعها وتنوعها.
أما أن تقدم للرئيس صورة ناقصة عن مجتمع، أو أن تُختزل الولاية في دائرة محدودة من الأشخاص، فذلك قد يؤدي إلى نتائج عكسية، لأن ما يبدو تفصيلًا صغيرًا في مكتب المستشار قد يكون مسألة كبيرة في ذاكرة الناس.
ولهذا أتذكر اليوم قصة تلك المرأة والولي آبيه ونحن ننتظر زيارة رئيس الجمهورية لإنشيري.
لا لأطلب من الرئيس تصديق القصص الشعبية، ولا لتحويل الزيارة إلى شأن عائلي، وإنما للتذكير بأن للولايات ذاكرة، وللمجتمعات رموزًا، وللتاريخ رجالًا تركوا أثرًا لا تمحوه المناصب.
ومن الحكمة، عند زيارة أي رئيس لمنطقة، أن يعرف من يعيش فيها، ومن عاش فيها، وما الذي بقي من هؤلاء في ذاكرة أهلها.
لأن بعض الاستشارات قد تغضب الأحياء...
وربما، كما كانت تعتقد صاحبة «البيجو 404»، قد يصل صداها حتى إلى الموتى.
______
محمد الأمين لحويج

.gif)
.jpg)