
المشكلة ليست في غياب الأرقام عن الخطاب الرسمي، بل في تحوّلها إلى غطاء يُستهلك سياسيًا بدل أن يُخضَع للتحقق. فقد أُعلن في يناير 2026 عن إنجاز أكثر من 80% من برنامج تنمية نواكشوط، ثم قفزت النسبة إلى 93.5% في مايو، ثم إلى 96% لاحقًا — تصاعد لا يرافقه توضيح لمنهجية الحساب، ولا انسجام مع نسب استهلاك الآجال المعلنة بالتوازي. هذا التذبذب في الأرقام، في غياب أي تفسير رسمي، لا يمكن قراءته إلا كمؤشر على أن الحكومة تدير خطابها الإعلامي بمعزل عن واقع التنفيذ.
فحين تُعلن جهة تنفيذية نسبة إنجاز، عليها أن تحدد بدقة ما تقيسه: هل هو اكتمال الأشغال، أم توقيع العقود، أم الإنفاق، أم اقتناء المعدات، أم وضعها فعليًا في الخدمة مجرد سؤال.
غياب هذا التحديد ليس تفصيلًا فنيًا، بل هو بالضبط ما يسمح بتلميع الأداء دون أن يُساءَل أحد عنه. فالمسافة بين الاعتماد والتعاقد من جهة، والتركيب والتشغيل والاستفادة الفعلية من جهة أخرى، هي المسافة نفسها التي تفصل بين مشروع حقيقي ومشروع لا يعدو كونه رقمًا على الورق.
- الكهرباء: حين يتحول الاقتناء إلى ذريعة للإنجاز الوهمي
حيث اعلن في مايو ، أن مكونة الكهرباء تقترب من الاكتمال. ثم جاء أغسطس، وبعد حرائق محطتي الكهرباء، اعترف الوزير الأول بأن محولات وقواطع وخلايا اقتُنيت ضمن البرنامج لم تكن قد رُكبت بعد، وأن جزءًا منها كان لا يزال في المخازن أو في طريقه إلى نواكشوط. هذا ليس تأخرًا عابرًا يُحتسب ضمن هوامش التنفيذ الطبيعية، بل إنه اعتراف مباشر بأن نسبة إنجاز أُعلنت للرأي العام كانت تحتسب معدات لم تُشغَّل بعد كأنها منجزة.
والسؤال هنا لا يحتمل مراوغة: هل تحتسب الحكومة اقتناء المعدات كإنجاز كامل، بصرف النظر عن تركيبها وتشغيلها الفعلي؟ إن كان الجواب نعم، فإن كل نسبة أُعلنت سابقًا عن هذه المكونة يجب إعادة النظر فيها من الأساس. وحتى مع إنجاز 270 كيلومترًا من الخطوط واستبدال 40 كيلومترًا من الشبكات، حيث يبقى المعيار الوحيد ذا القيمة هو الأثر الملموس على المواطن: وهنا لن نستحي من طرح السؤال هل انخفضت الانقطاعات فعلًا؟ هل استقر التزويد؟ أم أن الأرقام على الورق لا تعني شيئًا لمن يعيش الانقطاع المتكرر في بيته؟
المياه: «الحل النهائي» الذي لا تسنده وقائع أكثر من دعايات يقدمها بعض المدونين على صفحاتهم وبشكل خجول .
لاوصف يأكد أن معالجة أزمة الطمي تشكل «حل نهائي» بل هو تصريح يتجاوز حجم ما هو مثبت ميدانيًا. معالجة الطمي، مهما كانت أهميتها، لا تُنهي أزمة تزويد نواكشوط بالمياه ما دامت اختناقات الإنتاج والشبكات والضغط والفاقد والطلب المتزايد قائمة كما هي. الحديث عن حل نهائي في غياب أي بيانات تشغيلية منشورة كالطاقة الإنتاجية الفعلية، والكميات الواصلة للأحياء، ثم نسب الفاقد، اضافة الى عدد المستفيدين الحقيقين، ساعات التزويد فنحن هنا نفتقر الى وصفًا دقيقًا لواقع حيث وجدنا انفسنا امام ، صياغة إعلامية مصممة لإغلاق نقاش لا يزال مفتوحًا.
إذا كانت الحكومة واثقة من أن الأزمة حُلّت فعلًا، فلا شيء يمنعها من نشر هذه البيانات كاملة والسماح بالتحقق المستقل منها.
غياب هذا النشر، بحد ذاته، مؤشر كافٍ.
منهجية التحقق
هذا النقد لا ينطلق من انطباع، بل من منهج قابل للتطبيق والمساءلة:
جمع التصريحات الرسمية مع تحديد تاريخ كل تصريح ومصدره وسياقه.
طلب العقود ومحاضر الاستلام وتقارير المتابعة والجداول الزمنية وكشوف الإنفاق.
تعريف نسبة الإنجاز بدقة، والتمييز بين الإنجاز المالي والفني، والمعدات المقتناة، والمشاريع الموضوعة فعليًا في الخدمة.
مقارنة النسب عبر الزمن والتحقق من ثبات طريقة الحساب ومكونات البرنامج.
التحقق الميداني من تركيب المعدات وتشغيلها الفعلي، لا من مجرد وجودها في المخازن.
مقارنة البيانات الرسمية بشهادات السكان والمهندسين والمنتخبين، دون اعتبار هذه الشهادات بديلًا عن الوثائق والقياسات.
طلب رد رسمي صريح من القطاعات المعنية.
الفصل الصارم بين الوقائع المثبتة والأسئلة المفتوحة والاستنتاجات، مع نشر المصادر وحدود التحقيق.
مراجعة النص قانونيًا ولغويًا، وحصر النقد في السياسات والبيانات دون اتهامات غير مثبتة لأشخاص بعينهم.
المسؤولية: أين تقع، وأين لا تقع
النقد هنا حاسم في طلب الأدلة، دقيق في تحديد موقع المسؤولية، وموضوعي في تقييم النتائج — لا ينكر ما تحقق فعلًا، ولا ينسب تلاعبًا لأي جهة دون دليل. لكن حين تظهر فجوة موثقة بين ما يُعلَن وما يتحقق ميدانيًا، فإن المساءلة يجب أن تتجه بوضوح إلى آليات التنفيذ والمتابعة داخل الحكومة والقطاعات المكلفة بها. هذه هي الحلقة التي يجب أن تُفتح: من أعدّ هذه المؤشرات المتضاربة؟ من صادق عليها قبل الإعلان؟ من كان مسؤولًا عن متابعة تركيب المعدات وتشغيلها الفعلي بدل تركها في المخازن أشهرًا؟ ومن أبلغ عن مستوى تنفيذ لا يطابق ما جرى على الأرض؟
هذا النقد لا يستهدف أصل البرنامج، ولا نية فخامة الرئيس في إنجازه، ولا يمسّ حتى التوجه السياسي الذي رسمه فخامته . فخامة الرئيس لا يدير كل تفصيل فنيه في الميدان، وهذا أمر بديهي. لكن المسؤولية السياسية عن اختيار من يشرف على التنفيذ، وعن محاسبته إذا ثبت التقصير أو التضليل في التصريحات، هي مسؤولية لا يمكن للحكومة أن تتهرب منها بالاختباء خلف نسب مئوية متضخمة. فحين تُعلن جهة حكومية نسبة إنجاز لا تطابق الواقع، فإن هذا فشل في الأداء التنفيذي والتواصلي لهذه الجهة تحديدًا، لا في المشروع ولا في من أطلقه.
وبهذا المعنى، فإن كشف هذه الاختلالات لا يضعف برنامج فخامة الرئيس، بل يحميه من جهات تنفيذية قد تكون ..... بقصد أو بتقصير ..... تسيء تمثيل التزامه أمام الرأي العام.
وهنا نجد أن........
مساءلة الحكومة عن الفجوة بين ما تُعلنه وما تُنجزه فعليًا ليست ترفًا نقديًا، بل واجب أساسي في أي عمل يتصل بالمال العام وبحياة الناس اليومية.
اذا افترضنا الإقرار بأن بعض التأخيرات قد تكون فنية أو مالية أو تعاقدية فهذا لا يبرر تصريحات متضاربة تُعلَن للرأي العام دون تدقيق، ولا يبرر وصف أزمة قائمة بأنها مُحلولة نهائيًا في غياب أي دليل تشغيلي.
المطلوب هنا ليس إنكار ما تحقق، وليس تبرئة أي جهة تنفيذية مسبقًا، بل قياس الأثر الفعلي وتحديد المسؤولية بالأدلة لا بالانطباع.
إن الإنجاز الحقيقي لا يُقاس بما اعتمدته الإدارة أو تعاقدت عليه، بل بما رُكِّب وشُغِّل واستفاد منه الناس فعلًا في بيوتهم وأحيائهم.
لذلك، كل نسبة إنجاز تُعلن يجب أن تُرفق بتعريف واضح لما تقيسه، ومؤشرات قابلة للقياس المستقل، ووثائق منشورة، وتاريخ تحديث، وجهة مسؤولة محددة عن اعتمادها.
فالمسافة بين الاعتماد والتعاقد والشراء والتركيب والتشغيل والاستفادة الفعلية مسافة حقيقية، ولا يجوز لأي جهة حكومية أن تختصرها في رقم واحد تُقدمه للرأي العام كأنه الحقيقة الكاملة.
والسؤال الذي يبقى معلقًا في وجه الحكومة ووزيرها الأول ، لا في وجه أي طرف آخر: ماذا تحقق فعلًا على الأرض؟ من يثبت ذلك بالوثائق لا بالتصريحات؟ ومن يتحمل، بالاسم والمنصب، مسؤولية الفجوة بين ما أُعلن وما عاشه الناس؟
فالرجل قطع على نفسه وعدا امام الله وامام جماهير انتخبته رئيسا لها ومُخلصا فلاتكونو انتم وظروف العالم من حولنا والتحولات الجوسياسية والإقتصادية عليه
لاتضربوه في الظهر فهو لايستحق منكم ذلك.
__________
بقلم ام كلثوم محمد المصطفى

.gif)
.jpg)