
شاهدتُ واستمعتُ كغيري لتصريحات أفراد طالبوا فيها بمأمورية ثالثة لفخامة رئيس الجمهورية.
إن الأمر هنا يتعلق بالمجاهرة بالدعوة إلى الخروج على القانون على أساس غير توافقي، وليس أي قانون بل بالخروج على أسمى القوانين وهو الدستور الحالي للبلد. ربما لو انتظر المعنيون ورشات الحوار الوطني لكان ذلك أقرب إلى التفهم بدل التشويش على نظام أكمل لتوه عامه الثاني من مأمورية من خمس سنوات.
الغريب أن دعاة المأمورية الثالثة اليوم هم أنفسهم دعاتها للرئيس السابق السيد محمد ولد عبد العزيز وهم أنفسهم من بذلوا جهدا مضنيا لعرقلة الحوار خلال سنة ونصف من المسار الحالي لإعداد الحوار الوطني!!!.
كان تصريح فخامة رئيس الجمهورية حول هذه النقطة خلال المؤتمر الصحفي واضحا جدا وقاطعا لأي لبس.
حين تلتقي أطراف المشهد السياسي مدعومة بشخصيات مستقلة وممثلين عن المجتمع المدني خلال الحوار المنتظر يأمل المواطن أن يتم الاتفاق على إصلاحات جوهرية تطال كل أوجه الحياة العامة كمنظومة الحكامة السياسية، والمؤسسات الدستورية والمنظومة الانتخابية ومعززات الوحدة الوطنية وتمكين الشباب والنساء.
الدستور، كل الدستور محصن وكما تم خلال المرحلة الانتقالية 2005-2007 سيجد المتحاورون الفرصة لإعادة صياغة الأولويات وإدخال الإصلاحات على أساس توافقي بما يضمن للبلد مسايرة السياق الدولي الراهن والاستناد على دستور عصري و منقح يتماشى وتحديات المرحلة. إن مواليد 2007 أصبحوا ناخبين ومن الطبيعي أن يجدوا ذواتهم في إصلاحات دستورية ليست سابقة لميلادهم.
حين ينعقد إجماع المتحاورين أو يحصل اتفاق أغلبهم على إصلاحات دستورية جوهرية تخدم البلد واستقراره السياسي والمؤسسي سينطلق مسار تنزيل تلك التوافقات حيز التنفيذ ربما عبر استفتاء شعبي وإصدار للقانون الدستوري من طرف فخامة الرئيس وقد تعهد فخامته لكل الأطراف بتطبيق مخرجات الحوار التوافقية.
شخصيا اهتمّ ،من بين أمور أخرى، بإصلاحات لمنظومة الحكم وأتمنى على المتحاورين نقاشها فلسنا من وجهة نظري ملزمين باتباع نظام سياسي وانتخابي جامد لا يلبي حاجياتنا في توسيع المشاركة السياسية وتحجيم دور القوى التقليدية وقد دونتُ قبل خمس سنوات مطالبا بمراجعة الدوائر الانتخابية في النيابيات بإلغاء المقاطعة واعتماد الولاية كدائرة انتخابية مع اعتماد النسبية وهكذا ستتنافس الأحزاب السياسية عبر لوائح على مستوى الولايات. لنأخذ مثلا ولاية اترارزه فستتنافس الأحزاب على لوائح من أربعة عشر مقعدا هي مجموع الكتلة النيابية للولاية في النظام الحالي وستضطر المجموعات السكانية إلى عقد تحالفات خارج المقاطعات ما سيحجم دور القبيلة والإثنية.
كما أن الوضع الحالي لانتخاب رئيس الجمهورية هو وضع يحد من التمثيل، ذلك أن الرئيس في حال انتخابه مثلا من طرف 52% من الناخبين يحوز شرعية الفوز والتمثيل ولكنه لم يتمكن من إقناع 48% من الناخبين وهي نسبة كبيرة لن تجد ذاتها في التمثيل التنفيذي خلال خمس سنوات وربما من هنا تبرز أهمية استحداث منصب نائب للرئيس بصلاحيات تنفيذية محدودة ومحددة دستوريا ويتولى المنصب من يحل ثانيا في السباق الرئاسي، حينها سنتأكد أن 80% من الناخبين ممثلين في رأس السلطة. وفي الجانب الاقتصادي والمالي يهمني جدا دسترة القاعدة الذهبية للميزانية وتسقيف الدين العمومي المسموح بالتعاقد حوله وإعادة النظر في جدوائية المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي والمجلس الأعلى للفتوى والمظالم والمجالس الجهوية واللجنة المستقلة للانتخابات على أساس دائم (يمكن تشكيلها شهورا قبل كل انتخابات وحلها غداة الانتخابات).
يهمني جدا معرفة الرأي القانوني لصديقي وأستاذي لو غورمو عبدول Gourmo Abdoul Lô حول هذه النقاط وحول دعاة المأمورية الثالثة ففرصة الحوار لا ينبغي أن نفرط فيها ولا أن نحد من المواضيع المطروحة فيها أو تلك التي يمكن أن تطرح.
أخيرا وبخصوص تخليد الذكرى السابعة لتسلم فخامة رئيس الجمهورية لمقاليد الحكم فقد تابعتُ
احتفالية حزب الإنصاف في قصر المؤتمرات "المختار ولد داداه" واستوقفتني سردية أحد المتدخلين لأكثر من ساعة وربع لم تكن موفقة لا شكلا ولا مضمونا. لقد تحدث فخامة رئيس الجمهورية خلال المؤتمر الصحفي بالعربية وبالفرنسية وباللهجة الحسانية وهو قطعا أفصح من الكثير منا في هذه اللغات وكانت أجوبته مباشرة وبلغة سلسة ولم تكن هناك الحاجة لا للشرح ولا للتأويل المتعسف.
السياسة مقام أدب وأخلاق وعلم وعمل وليست مقام تلميع الشخص لنفسه حتى لكاد يقول أنا ولا أحد غيري.
لقد حذر العقلاء الممارسين للفعل السياسي النبيل منذ القدم من خطورة التيارات ضمن التشكيلات الحزبية واعتبروها معاول للهدم لا تسوق رؤية أو مشروعا مجتمعيا ولا تطرح أفكارا (إلا تلك التي تصدح بأن فلانا أهم من الماء ومن الكهرباء ومن الصحة)، بل تسبح بحمد صاحب التيار وتتصيد الفرصة للانقضاض على المشروع الأشمل (الحزب).
حان الوقت لإعادة النظر في مسائل جوهرية أولها سطوة تيار "فردي" على الحزب بعد إحكام القبضة على التعيينات بالإدارة. الموريتانيون لم ينتخبوا تيارا ولا راعيا لتيار ولا معنى لأن يسلط عليهم وعلى مصالحهم وبكثير من الإقصاء .
______
من صفحة الوزير السابق/ سيد أحمد ولد ابوه
.jpeg)
.gif)
