
في الاقتصاد الحديث، لم يعد السؤال: هل ندعم الأسعار أم لا؟ بل أصبح: كيف نوجّه الدعم بأكبر قدر من الكفاءة والعدالة؟
تُظهر الأدبيات الاقتصادية الحديثة وتجارب العديد من الدول، كما تعكسه توصيات صندوق النقد الدولي والبنك الدولي ومنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، أن الدعم الشامل لأسعار الطاقة يُعد من أقل أدوات الحماية الاجتماعية كفاءة، لأنه يوجّه الجزء الأكبر من منافعه إلى الفئات الأعلى استهلاكًا، بينما تحصل الأسر الأقل دخلًا على الحصة الأصغر من الدعم.
ولهذا اتجهت غالبية الدول خلال العقدين الأخيرين إلى نموذج أكثر فاعلية يقوم على ثلاثة مبادئ متكاملة:
- امتصاص الدولة جزءًا من الصدمة السعرية حتى لا يتحمل المواطن كامل الارتفاع.
- المحافظة على الموارد المالية الضرورية للاستثمار في البنية التحتية والخدمات الأساسية.
- توجيه دعم مباشر ومحدد للفئات الأكثر هشاشة بدل توزيعه بالتساوي بين الجميع.
اقتصاديًا، فإن تخصيص 50 مالليارًا لدعم شامل يستفيد منه الجميع، بمن فيهم كبار المستهلكين، أقل عدالة وكفاءة من تخصيص 35 مليارًا لتخفيف الصدمة على جميع المواطنين، مع توجيه أكثر من 18 مليارًا إضافية مباشرة إلى الفئات الأقل دخلًا، مع الحفاظ على البرامج التنموية والاجتماعية.
أما الخوف من التضخم فهو مشروع، لكن الأدبيات الاقتصادية المعاصرة تميز بين التضخم الناتج عن صدمات خارجية مؤقتة وبين التضخم الناتج عن اختلالات هيكلية داخلية. وفي الحالة الأولى، يكون العلاج الأمثل مزيجًا من الدعم الجزئي الموجه والحماية الاجتماعية المستهدفة، لا الدعم الشامل غير المحدود الذي يستنزف المالية العامة ويقلص قدرة الدولة على الاستثمار مستقبلاً.
أما القول بأن أي زيادة في الأسعار تؤدي بالضرورة إلى نتائج اقتصادية أسوأ من الدعم الموجّه، فليس استنتاجًا تدعمه الأدبيات الاقتصادية بصورة مطلقة، إذ تتوقف النتائج على حجم الزيادة، وطبيعة التعويضات المصاحبة لها، ومدى كفاءة استهداف الفئات الهشة، ووضع المالية العامة للدولة.
فالعدالة الاقتصادية لا تعني توزيع الموارد بالتساوي بين الجميع، وإنما توجيهها حيث يكون أثرها الاجتماعي والاقتصادي أكبر. ومن هذا المنطلق، لا يقاس نجاح الدعم بحجمه الإجمالي، بل بقدرته على حماية الفئات الأكثر هشاشة مع المحافظة على استدامة المالية العامة واستمرار الاستثمار في التنمية.
فالتحدي الحقيقي في إدارة الأزمات ليس إنفاق المزيد من الموارد، بل توجيه الموارد المتاحة بأعلى قدر من الكفاءة والعدالة والأثر.
محمد الحليف محمد لحمد المستشار الإعلامي لحزب الإنصاف
.jpeg)
.gif)
