أي جهة تقف وراء التسريبات المسيئة؟

خميس, 13/06/2019 - 14:55

تكرر للمرة الثانية نشر تسريبات مفبركة أو صحيحة تتعلق بمكالمات خصوصية للمترشح غزواني، ولخطورة هذا الأمر، فقد وجب التنبيه إلى جملة من الملاحظات ذات الصلة بهذه التسريبات.

أولا/

إن من قام بهذا التسريب ـ وسواء كانت التسجيلات صحيحة أو مفبركة ـ إنما يقوم بعمل نذل ودنيئ يرفضه ديننا الإسلامي، ويجرمه القانون، ولا تقبل به تقاليد وأعراف المجتمع.

على المستوى الشخصي، وكمهتم ب"تخليق" الحياة السياسية، وكعضو في "تنظيم من أجل موريتانيا" الذي كان قد تقدم بميثاق شرف انتخابي وقعه خمسة من المترشحين، فإني أدين بأشد عبارات الإدانة هذا النوع من التسريبات الذي يتعلق بخصوصيات الأفراد. 

ثانيا/

من الراجح عندي أن هذه التسريبات لم تأت من المعارضة ولا من أي جهة محسوبة عليها، وإنما أتت من السلطة أو من جهة مقربة منها، وأدلتي على ذلك هي :

1 ـ أن السلطة لها سوابق معروفة في مجال تسريب خصوصيات الأفراد، ولكم أن تتذكروا في هذا المجال التسريبات المتعلقة بمكالمات السيناتور محمد ولد غدة.

2 ـ أن السلطة هي وحدها التي تستطيع أن تصل إلى هذا النوع من المكالمات، إن كانت المكالمات صحيحة، وهي وحدها التي تستطيع أن تفبركها بكل هذه الاحترافية، إن كانت هذه المكالمات مفبركة.

3 ـ إن توقيت هذه التسريبات يزيد من الشكوك حول اتهام جهة ما داخل السلطة، فالتسريب الأول جاء بعد الخطاب القوي لإعلان الترشح، وبعد جولة واسعة قام بها المترشح غزواني شملت كل عواصم مقاطعات الوطن، والتسريب الثاني جاء بعد مهرجان النعمة الحاشد، وبعد خطاب سيلبابي، والذي طالب فيه المترشح من جميع داعميه بالابتعاد بشكل كامل عن استخدام السيارات الحكومية والأملاك العمومية في أنشطة حملته الانتخابية.

4 ـ إن عدم إجراء أي تحقيق لمعرفة من سرب هذه المكالمات يزيد من الشكوك المتعلقة باتهام جهة ما من داخل النظام، فلو لم تكن هناك علاقة ما بين النظام وهذه التسريبات لتم فتح تحقيق عاجل لمعرفة المجرم الذي يقف خلفها. وبطبيعة الحال، فلو كانت أصابع الاتهام تشير ـ من قريب أو من بعيد ـ إلى المعارضة أو إلى أي جهة مقربة منها لكان التحقيق أسرع وأكثر فعالية، ولتم تحديد المجرم الذي يقف وراء هذه التسريبات خلال ساعات معدودة.

ثالثا/

من خلال الأدلة السابقة يظهر بأن المتهم الأول بنشر هذه التسريبات هو "جهة ما" داخل النظام، ولكن يبقى السؤال : أي جهة من داخل النظام تقف وراء هذه التسريبات؟

يمكن أن نتلمس الإجابة على هذا السؤال من خلال الدفع بفرضيتين اثنتين :

أولهما أن هذه التسريبات لا يقف وراءها الرئيس محمد ولد عبد العزيز، فالرئيس محمد ولد عبد العزيز ـ وحسب ظواهر الأمور ـ يدعم بشكل جاد وحقيقي المترشح غزواني، حتى وإن كانت طريقته في الدعم في غير صالح المترشح، وقد تأتي بنتائج سلبية. أما الثانية فهي أن هذه التسريبات لا يمكن أن تقف وراءها جهة عادية، فمن ذا الذي يتجرأ على نشر تسريبات ضد مترشح من المحتمل أنه سيصبح رئيسا بعد أسابيع قليلة؟ ومن ذا الذي يستطيع داخل النظام أن ينشر تسريبات ضد مرشح يدعمه الرئيس إذا لم يكن قد تلقى الضوء الأخضر أو الحماية من جهات نافذة ومقربة جدا من الرئيس ولد عبد العزيز؟

غالب الظن أن هذه التسريبات لم تأت من الرئيس محمد ولد عبد العزيز، ولكنها قد تكون أتت من جهات مقربة منه جدا وتحظى بحمايته. ويبقى هناك احتمالٌ ضعيف جدا، ولكن لا يمكن إلغاؤه بشكل كامل وهو أن هذه التسريبات تقف وراءها "جهة ما" من خارج السلطة والمعارضة، ولكم أن تفكروا في جهة مخابراتية أو إرهابية. 

رابعا/

من الراجح أن الجهة التي تقف وراء هذه التسريبات تمتلك تسريبات أخرى أكثر إساءة، وقد تدفع بتسريبات جديدة في لحظة انتخابية أشد حرجا، أي أنها قد تدفع بتسريبات جديدة مع اختتام الحملة الانتخابية.

حقيقة لا أعرف ما الهدف من هذه التسريبات، وما الغاية التي يُراد تحقيقها من وراء هذه التسريبات، ولكن الشيئ المؤكد بالنسبة لي هو أن هناك جهة ما (غالب الظن أنها من داخل النظام)، تريد ـ لسبب أو لآخر ـ أن تسيئ للمترشح غزواني، ولكن ـ وفي هذه مفارقة ـ فإن هذه الجهة تخدم ـ بطريقة أو بأخرى ـ غزواني، وذلك لأنها ستظهره لجمهور عريض من الناخبين من خارج فسطاط الموالاة على أنه مستهدف من طرف النظام. إن ذلك الاستهداف بحد ذاته قد يزيد من شعبية غزواني لدى الناخبين من خارج فسطاط الموالاة، كما أنه قد يجلب له المزيد من التعاطف والتضامن لأسباب قد لا تكون سياسية، وإنما هي أقرب لأن تكون إنسانية.

خامسا/

إن في طيات كل أزمة توجد منحة ما، وإن في كل مشكلة تختفي فرصة ما، وإن الاستثمار الجيد للمشاكل والأزمات يقتضي البحث عن المنحة التي توجد في طيات الأزمة، والفرصة التي تختفي داخل المشكلة. وإذا كان هناك ما يمكن أن يستثمره غزواني إيجابيا في أزمة التسريبات فسيكون الخروج من عباءة النظام والتحرر من شعار "استمرار النهج". فبأي منطق يقبل المترشح غزواني أن يتحمل التركة السيئة للنظام، والضريبة المجحفة لشعار "استمرار النهج"، وذلك في الوقت الذي تقود فيه جهات ـ غالب الظن أنها من داخل النظام ـ حملة شرسة ضده قائمة في الأساس على نشر تسريبات مسيئة.

حفظ الله موريتانيا...

محمد الأمين ولد الفاضل

[email protected]