أدب الخلاف..وفقه الاختلاف..

جمعة, 28/01/2022 - 22:36
د. رقية أحمد منيه

الحمد لله الذي أنعم على "الأمة الوسط" بنعمة الإسلام وكفى بها نعمة، ويسر لها الولوج إلى أبواب الهداية، وبين لنا سبل الضلال والغواية، وأتم لها الدين الحق، وقيض لها طرق إعمال النظر، وأكرم العقول بمناهج الوصول، وأخفى القبول ليقل الاعتماد على العمل، وشرع التوبة لمحو آثار الزلل، وتفضل على العباد بفتح باب الاجتهاد، وجعل العقل دليلا للتعرف على بديع صنعه، وهذب شطحاته بالاتباع لهدي الرحمة المهداة للعالمين، الذي تركنا على المحجة البيضاء ليلها كنهارها لا يزيغ عنها إلا هالك، عليه أفضل الصلاة والسلام إلى يوم الدين، وعلى آله وأصحابه ومن اتبعهم بإحسان.

 وبعد..
فإنه من السنن الجبلية للخليقة تباين الكائنات في الأجناس والألوان والألسنة والمشارب والطباع، وتلك حكمة الخالق جل شأنه سبحانه فاطر السماوات والأرض على غير مثال سابق، وخالق الإنسان من عدم، يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه العزيز:﴿أوَلا يَذْكُرُ الإنْسانُ أنّا خَلَقْناهُ مِن قَبْلُ ولَمْ يَكُ شَيْئًا﴾.(سورة مريم) يقول صاحب التحرير والتنوير:"والشَّيْءُ: هو المَوْجُودُ، أيْ أنّا خَلَقْناهُ ولَمْ يَكُ مَوْجُودًا".(1)، هذا الكائن المخلوق من العدم، خلق الله فيه فطرة الحاجة إلى الأنيس والرغبة في الاجتماع مع غيره من أبناء جنسه من البشر، برغم تمايزهم في الميول والطباع والألوان والعادات والسياقات الزمانية والمكانية، ويعتبر هذا الاختلاف اختلاف خلقة، ومن الأدلة الباهرة على عظمة الخالق جل جلاله سبحانه وبحمده، 
وهذا الاختلاف أصل جبلي لا يمكن اعتباره محلا لأي كلام لا من قبيل القدر، ولا من جهة البسط؛ لأنه من المعلوم ضرورة، وضرورة العلم به عقلا وشرعا من المسلمات.
 إن المقصود من تركيب العبارات الواردة في العنوان؛ هو التنبيه على حساسية استعمال ألفاظ الخلاف والاختلاف في كل سياق، وإفراغها من معانيها الاصطلاحية، وإقحامها من قبل غير أهل الفن، وتمييع إبداء الرأي في العلوم الشرعية حتى أصبح متاحا لكل أحد التقول على الله بغير علم، وكذا إخراج الناس من الملة بدون دليل، واتهامهم في عقائدهم بغير بينة، أو منح صكوك الغفران دون وجه حق، أو تبرئتهم من دماء المسلمين وأعرضهم وأموالهم بلا برهان..

وقبل الحديث بشيء من التفصيل عن متفرقات الكلمات، لا مناص من التعرض لماهية مفردات العنوان وتفكيكها؛ تبيانا وتحديدا للمفاهيم. 

 أ- الأدب: أصله في اللغة من "أدب"؛ "الأدب: أدب النفس والدرس، تقول منه: أدب الرجل بالضم فهو أديب، وأدبته فتأدب، وابن فلان قد استأدب..". (2). قاله في الصحاح.    والأدب في الاصطلاح، عرفه الجرجاني بقوله:" الأدب: عبارة عن معرفة ما يحترز به عن جميع أنواع الخطأ".(3). 
 ب- الخلاف: أصله في اللغة من الفعل الثلاثي المزيد بالألف "خالف" على وزن "فاعل"، والخلاف: مصدر خالف يخالفه مخالفة، ورجل خالفة، أي: كثير الخلاف، والخلاف: المخالفة. وقوله تعالى: ﴿فَرِحَ ٱلۡمُخَلَّفُونَ بِمَقۡعَدِهِمۡ خِلَٰفَ رَسُولِ ٱللَّهِ﴾؛ يقال: أقام خلاف الحي، بمعنى بعدهم ظعنوا ولم يظعن معهم، وتشهد له قراءة أبى حيوة: خلف رسول الله. وقيل: هو بمعنى المخالفة لأنهم خالفوه حيث قعدوا ونهض، وانتصابه على أنه مفعول له أو حال، أى قعدوا لمخالفته أو مخالفين له". (4) والخلاف في الاصطلاح، ذكره صاحب "التعريفات":" الخلاف منازعة تجري بين المتعارضين؛ لتحقيق حق أو لإبطال باطل".(5) 
 ت- الفقه: أصله فب اللغة من " فقه": الفقه: الفهم، تقول منه: فقه الرجل، بالكسر. وفلان لا يفقه ولا ينقه. وأفقهتك الشيء. ثم خص به علم الشريعة، والعالم به فقيه، وقد فقه بالضم فقاهة، وفقهه الله. وتفقه، إذا تعاطى ذلك. وفاقهته، إذا باحثته في العلم.". (6). والفقه في الاصطلاح: هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من أدلتها التفصيلية، وقيل: هو الإصابة، والوقوف على المعنى الخفي الذي يتعلق به الحكم، وهو علم مستنبط بالرأي والاجتهاد ويحتاج فيه إلى النظر والتأمل.."(7). 
 ث- الاختلاف: أصله في اللغة من "الخلف" بالضم، وهو مشتق من الفعل الثلاثي المزيد بالهمزة والتاء اختلف على وزن "افتعل"، يقال: اختلف الناس في كذا، والناس خلفة أي مختلفون، لأن كل واحد منهم ينحي قول صاحبه، ويقيم نفسه مقام الذي نحاه.".(8).والاختلاف المقصود في الاصطلاح الشرعي؛ هو الاختلاف المذموم، وهو ما تعلق بأصول الدين..يقول صاحب التحرير والتنوير:"وأُرِيدَ بِ ﴿الَّذِينَ تَفَرَّقُوا واخْتَلَفُوا﴾ في أُصُولِ الدِّينِ". (9) 
لقد تقرر في النصوص الشرعية أن الخلاف الجبلي -كما تقدم- من آيات الله العظيمة الدالة على عظمة الخالق جل جلاله،
يقول صاحب أضواء البيان: "وقَوْلُهُ: ﴿واخْتِلافُ ألْسِنَتِكم وألْوانِكُمْ﴾، قَدْ أوْضَحَ تَعالى في غَيْرِ هَذا المَوْضِعِ أنَّ اخْتِلافَ ألْوانِ الآدَمِيِّينَ واخْتِلافَ ألْوانِ الجِبالِ، والثِّمارِ، والدَّوابِّ، والأنْعامِ، كُلُّ ذَلِكَ مِن آياتِهِ الدّالَّةِ عَلى كَمالِ قُدْرَتِهِ، واسْتِحْقاقِهِ لِلْعِبادَةِ وحْدَه".(10).
 وحكمة الخالق تتقاصر العقول عن إدراك جميع معانيها، وتحار الأفهام أمام الوصول إلى الإحاطة بمراميها، ولكن رحمة من العليم الخبير أن بين لهم  مظاهر حكمته وآثار بديع صنعته، يقول جل شأنه:
﴿وَلَوۡ شَاۤءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ ٱلنَّاسَ أُمَّةࣰ وَ ٰ⁠حِدَةࣰۖ وَلَا یَزَالُونَ مُخۡتَلِفِینَ (١١٨) إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَۚ وَلِذَ ٰ⁠لِكَ خَلَقَهُمۡۗ وَتَمَّتۡ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَأَمۡلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلۡجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجۡمَعِینَ (١١٩)﴾ [هود ١١٨-١١٩]
يقول الزمخشري في تفسير الآية: "وَلَوْ شاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً واحِدَةً، يعنى لاضطرهم إلى أن يكونوا أهل أمّة واحدة أى ملة واحدة وهي ملة الإسلام، كقوله إِنَّ هذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وهذا الكلام يتضمن نفى الاضطرار، وأنه لم يضطرهم إلى الاتفاق على دين الحق، ولكنه مكنهم من الاختيار الذي هو أساس التكليف، فاختار بعضهم الحق وبعضهم الباطل، فاختلفوا، فلذلك قال وَلا يَزالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ إلا ناساً هداهم الله ولطف بهم، فاتفقوا على دين الحق غير مختلفين فيه وَلِذلِكَ خَلَقَهُمْ ذلك إشارة إلى ما دل عليه الكلام الأوّل وتضمنه، يعنى: ولذلك من التمكين والاختيار الذي كان عنه الاختلاف خلقهم، ليثيب مختار الحق بحسن اختياره، ويعاقب مختار الباطل بسوء اختياره وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ وهي قوله للملائكة لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ لعلمه بكثرة من يختار الباطل".(11).
ويقول صاحب التحرير والتنوير:"وفُهِمَ مِن هَذا أنَّ الِاخْتِلافَ المَذْمُومَ المُحَذَّرَ مِنهُ هو الِاخْتِلافُ في أُصُولِ الدِّينِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ اعْتِبارُ المُخالِفِ خارِجًا عَنِ الدِّينِ وإنْ كانَ يَزْعُمُ أنَّهُ مِن مُتَّبِعِيهِ، فَإذا طَرَأ هَذا الِاخْتِلافُ وجَبَ عَلى الأُمَّةِ قَصْمُهُ وبَذْلُ الوُسْعِ في إزالَتِهِ مِن بَيْنِهِمْ بِكُلِّ وسِيلَةٍ مِن وسائِلِ الحَقِّ والعَدْلِ بِالإرْشادِ والمُجادَلَةِ الحَسَنَةِ والمُناظَرَةِ.."(12).
وقد ذكر غير واحد من أهل العلم، واقتفى أثرهم كثير من الباحثين؛ أن فقهاء الشريعة، درجوا على تباين الفهوم في المسائل الفروعية؛ تبعا لتباين أصول الأخذ حسب المذاهب الفقهية المعتمدة، وتمايز قواعد الاستنباط الخاصة، مع الاتفاق على القواعد العامة للاجتهاد، إلا من أخذ بالظاهر تمسكا بالنص وعدولا عن إعمال الفهم في الدليل، 
وقد نتج عن ذلك ثراء قل نظيره في الفنون الأخرى، وظهرت آثاره جلية في اختلاف الأحكام الفقهية المتعلقة بالمناط الخاص، وتنوع الأقضية حتى في القضية الواحدة، وتعدد الأقوال بتعدد الأحوال، وتجدد الفقه في المسألة بتجدد السياق والمناسبة وتغير الزمان وتباعد المكان..
وغيره كثير من تجليات جمال الخلاف المنضبط بأدب العلم وغناء تنوع المصادر.. 
أدب شكل عبر العصور السمة البارزة لقبول الآراء المخالفة عملا بالتوجيه النبوي الشريف من حديث أبي هريرة -رضي الله عنه-"((حسنُ الظَّنِّ مِن حُسنِ العبادةِ)). سنن أبي داود، أخرجه أبو داود، وأحمد.

والعمل بالتماس أحسن المخارج لورثة الأنبياء وحملة العلم، وقد كان الحصن المنيع دون التكفير والتشنيع والتنابز بالألقاب والهمز واللمز وحتى الإخراج من الملة كما هو واقع في عصرنا، 
ثم إن التباين في الآراء رحمة، إذ لولاه لطغت رؤية فردية منمطة لا تقبل غير فهم أحادي مخالفه مجانب للحق حقه الوأد في غياهب ظلمة الكمد، 
 ولكن هل يفهم من ما تقدم أن الاختلاف غير سائغ على إطلاقه؟
 أم أنه ممكن الوقوع في الفروع؟ 
متجدد بتجدد الأحوال؟ 
للإجابة عن التساؤلات المتقدمة، وبناء على ما سبق عرضه، يظهر جليا؛ أن الخلاف لا يكون في الأصول، لقوله تعالى: ﴿وما اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِن شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إلى اللَّهِ﴾، وإذا وقع ذلك لزم أن يكون بين المخالفين في الملة والفصل فيه قرره الكتاب الكريم، يقول صاحب التحرير والتنوير:"والمَعْنى: أنَّهُ يَتَّضِحُ لَهم يَوْمَ القِيامَةِ المُحِقُّ مِنَ المُبْطِلِ فِيما اخْتَلَفُوا فِيهِ". (13).
 وينسحب الأمر على الكليات التي اتفقت الشرائع السماوية على حفظها، يقول يقول الإمام الشاطبي في الموافقات:" فأما الضرورية: فمعناها أنها لا بد منها في قيام مصالح الدين والدنيا، بحيث إذا فقدت لم تجر مصالح الدنيا على الاستقامة، بل على فساد وتهارج وفوت حياة. وفي الأخرى فوت النجاة والنعيم، والرجوع بالخسران المبين".(14). 
وأما الخلاف في تنزيل النصوص على الحوادث؛ فخاضع للتمسك بالاستمداد من الكتاب والسنة ولضوابط الاجتهاد، 
 ثم إنه لا بد من خطاب للشارع في المسائل الواقعة، ولا يتصور خلوها أصلا عنه، وإن لم يوجد هذا الخطاب من الشارع فلا حكم، والخطاب الشرعي المتوجه إلى أفعال المكلفين محصور في أقسامه المعروفة المبثوثة في كتب أهل العلم..الواجب، المندوب، المباح، المكروه، الحرام، 
 يقول الإمام أبو حامد الغزالي في المستصفى:" العقل لا يحسن ولا يقبح، ولا يوجب شكر المنعم، ولا حكم للأفعال قبل ورود الشرع".(15).
 ثم إن الباعث الأول على وقوع الخلاف المفضي إلى المنازعة هو اختلاط الحق بالباطل والتباس الأمور بعضها ببعض..وترك النقاشات العلمية الكبرى عرضة لأقلام وألسنة رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وتراجع العناية بسؤال أهل الذكر، وتحول الفضاءات الرقمية إلى ميادين لنقد أصول الدين وقواعده ومقاصده،
 وتفشي خطابات الطعن واللعن والتخوين والسب والقذف وبث سموم الكراهية ومحاكمة النيات والمقاصد، وما أشبه اليوم بالأمس، يقول الحافظ بن رجب:" ولما كثر اختلاف الناس في مسائل الدين وكثر تفرقهم، كثر بسبب ذلك تباغضهم وتلاعنهم، وكل منهم يظن أنه يبغص لله، وقد يكون في نفس الأمر معذورا، وقد لا يكون معذورا بل يكون متبعا لهواه مقصرا في البحث معرفة ما يبغض..".(16).
 والأحوط ترك الخوض في ما لا يعني، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه-:(( مِنْ حُسْنِ إسلامِ المرءِ تَرْكُهُ ما لا يَعْنِيهِ)). سنن الترمذي، أخرجه الترمذي، وابن ماجه.

 ويقول الإمام مالك بن أنس -رضي الله عنه- :" إذا عرض لك أمر فاتئد ، وعاير على نظرك بنظر غيرك فإن العيار يذهب عيب الرأي ، كما تذهب النار عيب الذهب".(17).

 وحاصل الأمر أن الخلاف المذكور بين أهل العلم خلاف مرده لفظي، له تعلق بالبحث عن المعاني المبنية على الدليل، وتأويل المأول تأويلا معضدا بالنقول، مستندا إلى سماحة الشريعة وسعة أحكامها لكل الوقائع، وتنوع بتنوع مقاصد العقلاء، واختلاف الزمان والمكان، والمناسبة والسياق، ومراعاة الخلاف، والتحاكم إلى الكتاب والسنة، واعتماد المعيارية دون الانتقائية والتشهي.. وأما غيرهم من العامة من أمثالي فالأسلم لهم معرفة الحد..
اللهم رد الجميع إليك ردا جميلا.
سبحانك اللهم وبحمدك أشهد أن لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك.